القائمة الرئيسية

الصفحات

لمادا ثم إعطاء لنبي بعض المعجزات (انشقاق القمر) ورفض البعض الآخر (الصفا و الجبال)

معجزة انشقاق القمر، فقد طلبها المشركون كآية عامة، ولم يطلبوا شيئًا محددًا، فجاءت استجابة من الله تعالى

 المسألة  تتعلق بحكمة الله تعالى في إعطاء بعض المعجزات ورفض البعض الآخر، وهي نقطة مهمة في فهم طبيعة الرسالات السماوية.

معجزة الصفا ورفضها

عندما طلب كفار قريش من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يُحوّل جبل الصفا إلى ذهب، أو أن يُزيل الجبال من حول مكة ليُمكنهم من الزراعة، كان هذا الطلب على سبيل التحدي والتعنت. وقد جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم وافق في البداية، فجاءه جبريل عليه السلام وأوحى الله إليه: "إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة. وإن شئت أن تستأني بقومك، استأنيت بهم" (رواه أحمد والنسائي وابن حبان وغيرهم).

النبي صلى الله عليه وسلم اختار أن يستأني بهم. وهذا الاختيار كان رحمة منه صلى الله عليه وسلم بأمته، فقد علم أنهم لو رأوا هذه المعجزة الكبيرة ولم يؤمنوا، لنزل عليهم عذاب الاستئصال (الهلاك التام) كما حدث للأمم السابقة التي كذبت بآيات الله بعد أن جاءتهم. فالله تعالى يقول: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الإسراء: 59). هذه الآية تشير إلى أن الله تعالى امتنع عن إرسال آيات (معجزات) يطلبها المشركون لأن الأمم السابقة كذبت بها بعد رؤيتها، فاستحقت العذاب.

معجزة انشقاق القمر وقبولها

أما معجزة انشقاق القمر، فقد طلبها المشركون كآية عامة، ولم يطلبوا شيئًا محددًا، فجاءت استجابة من الله تعالى. وقد حدثت هذه المعجزة، ورآها المشركون بأعينهم، ومع ذلك أصر الكثير منهم على العناد وقالوا: "هذا سحر". لكن الله لم يُنزل عليهم عذاب الاستئصال بعد هذه المعجزة، وذلك لحكمة:

  • رحمة من الله وتخيير النبي: في حالة الصفا، خُيّر النبي صلى الله عليه وسلم بين نزول العذاب أو استبقائهم، واختار الاستبقاء.

  • اختلاف طبيعة الطلب: بعض العلماء يرى أن طلب معجزة الصفا كان تحديًا وإلحاحًا من الكفار بقصد إفحام النبي لا للاستفادة، بينما انشقاق القمر كان استجابة لطلب آية عامة.

  • الإمهال قبل العذاب الأكبر: قد تكون معجزة انشقاق القمر بمثابة تخويف وإنذار لهم، لإعطائهم فرصة أخرى للتوبة قبل أن يحل عليهم العذاب الأكبر في الدنيا والآخرة، والذي جاء بعضه في غزوة بدر.

  • القدرة الإلهية المطلقة: الله تعالى هو الذي يقرر متى وكيف يظهر آياته، وهو ليس ملزمًا بتحقيق كل طلب من المخلوقين.

باختصار، الفرق يكمن في الحكمة الإلهية والرحمة النبوية. الله تعالى عليم بما في قلوب الناس، ويعلم أن بعض الطلبات تأتي من عناد واستكبار، وليس من رغبة حقيقية في الإيمان. ولو تحققت هذه المعجزات وكان مآلهم التكذيب، لاستحقوا عذابًا عاجلًا وشديدًا. النبي صلى الله عليه وسلم برحمته، فضل إبقاء باب التوبة مفتوحًا لهم، على أن يُسارع بهم إلى الهلاك.


حديث الأساسي في هذا الشأن رواه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وغيرهم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

  • الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يُزيل عنهم الجبال فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم ما سألوا، فإن كفروا عذبوا. قال: بل نستأني بهم. فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]."

    • المصدر:

      • مسند الإمام أحمد: (رقم 2507).

      • سنن النسائي: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات...} (رقم 11484 في بعض الطبعات).

      • صحيح ابن حبان: (رقم 309).

      • المستدرك على الصحيحين للحاكم: (2/356).

      • السلسلة الصحيحة للألباني: (حديث رقم 1133).

  • الحديث الصحيح عن طلب المشركين ورؤيتهم لها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين."

    • المصدر: صحيح البخاري (كتاب المناقب، باب انشقاق القمر، رقم 3636) وصحيح مسلم (كتاب صفات القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، رقم 2802).

  • حديث آخر يؤكد طلب المشركين: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اشهدوا." (وفي رواية أخرى: "إنا لنرى فلقتين" أي جزئين).

    • المصدر: صحيح البخاري (رقم 3637) وصحيح مسلم (رقم 2800).