القائمة الرئيسية

الصفحات

الحوار ملحد حول علاقة العلم بالأخبار


حوار الملحد طالوت

تساؤل الملحد: أنتم تتحدثون عن أن العلم يحتاج إلى "تواتر" مثل الأخبار، بينما العلم الحديث يعتمد على التجربة المباشرة والملاحظة، لا مجرد النقل. كيف يمكن ربط هذين المفهومين المتباعدين؟


إجابة المسلم: هنا تكمن نقطة مهمة غالبًا ما يُساء فهمها. عندما نتحدث عن "التواتر"، فإننا لا نقصد به مجرد "نقل خبر" عابر أو رواية فردية يمكن أن تكون عرضة للخطأ أو الكذب. بل نعني به مستوى من اليقين المطلق ينشأ عن كثرة الطرق والمصادر المستقلة التي نقلت المعلومة، بحيث يستحيل عقلاً أن يكون هؤلاء الناقلون قد تواطأوا على الكذب أو وقعوا في خطأ جماعي. هذا يمنح المعلومة قوة ثبوتية لا جدال فيها.

دعنا نربط هذا بالمنهج العلمي. عندما يقوم العلماء بإجراء تجربة، هل يكتفون بنتيجة واحدة أو ملاحظة فريدة؟ لا أبدًا. بل يقومون بتكرار التجربة عدة مرات (وهذا يمثل "تواتر" التجربة) للتأكد من صحة النتائج واستبعاد أي عوامل عارضة أو أخطاء فردية. ليس هذا فحسب، بل تُكرر هذه التجارب في مختبرات مختلفة حول العالم، وبواسطة فرق بحثية مستقلة تمامًا (وهذا يمثل "تواتر" الملاحظة والتحقق المستقل من مصادر متعددة). إذا تم الحصول على نفس النتائج بشكل متسق ومستقل من كل هذه المصادر المتعددة، فإن هذه النتائج تُرفع إلى مستوى الحقيقة العلمية الثابتة التي تُقبل بلا شك.

الإلزام هنا واضح: إذا كنتم تثقون تمامًا في الحقائق العلمية التي تُثبت بالتكرار المتواتر للملاحظة والتجربة، وتعتبرونها يقينية، فلماذا لا يمكنكم الأخذ بنفس المنهجية – التي تعتمد على الكثرة والتكرار والتحقق المستقل للوصول إلى اليقين – عندما تُطبق على نقل المعلومات التاريخية والدينية المتواترة؟ هذه المعلومات وصلت إلينا عبر سلاسل نقل متواترة ومُحكمة، بحيث يستحيل على العقل قبول فكرة أنها كذب أو خطأ. فكلاهما، أي العلم ونقل الأخبار المتواترة، يهدف إلى الوصول إلى اليقين عبر التحقق المتعدد والمصادر المستقلة. إن جوهر اليقين في كليهما هو التكرار والاستقلالية، لا فرق.


تساؤل الملحد: لكن العلم يركز على الحقائق القابلة للقياس والتجريب، بينما الأخبار غالبًا ما تكون عن أحداث فردية غير قابلة للتكرار أو القياس. أليس هذا اختلافًا جوهريًا؟


إجابة المسلم: هذا صحيح جزئيًا، ولكن الفرق ليس جوهريًا بالدرجة التي تمنع المقارنة في سياق اليقين. العلم يسعى لفهم القوانين العامة عبر تكرار الظواهر أو التجارب. الأخبار قد تكون عن أحداث فردية. ولكن عندما نتحدث عن الأخبار المتواترة، فإننا نتحدث عن خبر ليس فرديًا، بل هو خبر نقله عدد كبير جدًا من الناس، عن عدد كبير، وهكذا عبر الأجيال، بحيث يستحيل أن يكونوا قد اتفقوا على الكذب أو الوهم.

لنأخذ مثالاً: خبر وجود مدينة مثل "نيويورك". أنت لم ترها بعينك، ولم تجرِ عليها تجارب فيزيائية. لكنك تؤمن بوجودها إيماناً لا يقبل الشك. لماذا؟ لأن الأخبار عنها متواترة: سمعتها من آلاف الأشخاص، رأيتها في آلاف الصور والفيديوهات، قرأت عنها في مئات الكتب، وهي كلها مصادر مستقلة تؤكد نفس الحقيقة. هذا ليس مجرد "خبر فردي" بل هو معلومة متواترة وصلت إليك عبر قنوات متعددة تؤدي إلى اليقين.

وبالمثل، عندما نتحدث عن الأخبار الدينية المتواترة، فنحن نتحدث عن نصوص وصلت إلينا بنفس المنهجية القوية، عبر أجيال من النقل المتواتر الذي لا يدع مجالاً للشك في صحتها. إن قوة الدليل في العلم تأتي من تكرار التجربة، وفي الأخبار من تكرار الرواية من مصادر متعددة. كلاهما يسعى لترسيخ اليقين، وإن اختلفت طبيعة "التكرار". فالغرض الأسمى هو تحقيق اليقين الذي يُبنى عليه المعرفة والثقة.