تفكيك الأسس الفلسفية للنسبية الذاتية
في حواره مع خصمه "ميتافيزيقي"، قدم السيد علي ردًا متكاملاً لا يقتصر على تفنيد الادعاءات الفردية، بل يغوص في العمق لتفكيك البنية التحتية للفلسفة التي يتبناها خصمه، مبيناً أنها منظومة تهدم نفسها بنفسها وتؤدي حتمًا إلى العبثية. يمكن بلورة استراتيجيته الحجاجية في هذا النص التفصيلي الواحد.
بدايةً، واجه السيد علي الادعاء القائل بأن "خروج المسلمين من الدين أفواجاً" يعد دليلاً على خلل في "الموروث الإسلامي"، فقام بقلب الطاولة عبر إعادة تأطير المشكلة. بدلاً من الدخول في دفاع مباشر، حصر الأسباب في قصور فردي، فإما أن يكون الخارجون عن الدين "حمقى" يفتقرون لمنظومة معرفية متزنة تمكنهم من تمييز الحق من الباطل، أو أنهم "جهلة" بأمور دينهم، وهي حالة يمكن معالجتها بالتعلم. بهذا، حوّل النقاش من نقد الدين إلى نقد العقل الذي يقرأ الدين، ووضع عبء الإثبات على الخصم لإثبات سلامة أدوات هؤلاء المعرفية.
بعد ذلك، انتقل إلى الضربة المنهجية الرئيسية عبر استغلال تعريف خصمه للفلسفة. فعندما عرّف "ميتافيزيقي" الفلسفة بأنها "طرح حول شيء غامض إلى أن يثبت"، نصب له السيد علي فخًا منطقيًا لا مفر منه. انطلق من حقيقة أن "الأخلاق" هي من أعظم المباحث الفلسفية، وبناءً على تعريف خصمه، استنتج أن أخلاقه الشخصية هي بالضرورة غير ثابتة، وتفتقر لأي أساس صلب، ومجرد تكهنات حول أمور غامضة. هذا الاستنتاج أحدث زلزالاً في موقف الخصم، إذ أجبره على الاختيار بين التخلي عن تعريفه للفلسفة أو الاعتراف بأن منظومته الأخلاقية معلقة في فراغ من عدم اليقين.
ثم انتقل السيد علي إلى جوهر المشكلة، وهو مبدأ "المعيار الذاتي" الذي أعلنه خصمه حين قال: "أنا من أحدد... معياري الشخصي". هنا، كشف السيد علي عن العبثية الكامنة في هذا المبدأ. فإذا كان كل فرد هو الحكم والمرجع لذاته، فهذا يعني بالضرورة غياب أي "حكم" مشترك أو أرضية موضوعية يمكن الاحتكام إليها، مما يجعل الحوار نفسه بلا قيمة. ولتوضيح ذلك، استخدم منطق خصمه ضده قائلاً ما معناه: "وفقاً لمعياري الشخصي، أستطيع أن أقرر أن كلامك كله لا قيمة له"، وبهذا ينهار النقاش وتذوب قيمة "الصحيح" و"الخاطئ" وتتحول إلى مجرد آراء شخصية متساوية في القيمة، أو بالأحرى، في انعدامها.
وقدّم تشخيصاً فلسفياً دقيقاً لهذه الحالة بأنها "سفسطة" (Sophistry)، وهي الفلسفة التي تنكر وجود الحقيقة وتجعلها نسبية تماماً، مما يحول أي محاولة للوصول إلى اليقين إلى عبث، ويحول المجتمع إلى "غابة" تحكمها الأهواء لا المبادئ. ولإجبار خصمه على مواجهة التبعات الحقيقية والعملية لفلسفته، لجأ إلى "اختبار إلزام" عبر طرح مثال استفزازي حول حق "المخنث" في نشر أفكاره. لم يكن الهدف هو الإساءة، بل دفع الخصم إلى زاوية حرجة: فإما أن يلتزم بمبدئه ويقبل بنشر أفكار قد يراها هو نفسه هدّامة، أو أن يرفض ذلك، فيكشف عن وجود معيار أخلاقي موضوعي يخفيه، مما يناقض ادعاءه بالذاتية المطلقة. وكان انسحاب خصمه من الإجابة، في نظر السيد علي، بمثابة "فرار" وإعلان صريح عن عجز هذه الفلسفة عن الصمود أمام أبسط اختبارات الواقع.
في مجمله، كان رد السيد علي حجة متكاملة تثبت أن الفلسفة القائمة على النسبية الذاتية هي منظومة متناقضة داخليًا، تهدم أسس المعرفة والأخلاق والحوار، وتفشل في تقديم أي إجابات عملية للحياة، وتترك صاحبها في عزلة فكرية لا يستطيع الدفاع عنها منطقيًا أو تطبيقها واقعيًا.
