في سياق الحوارات الفكرية التي تتناول قضايا الإيمان والإلحاد، يقدم الأستاذ علي أميري رؤية نقدية متماسكة للموقف الإلحادي، مُبرزًا ما يعتبره نقاط ضعف جوهرية فيه، وفي المقابل، مُعززًا الأسس التي يرتكز عليها الموقف الإيماني. تنطلق حجج أميري من التساؤل حول طبيعة الوعي الإنساني وصولاً إلى منظومة القيم والأخلاق، معتبراً أن الإلحاد يعجز عن تقديم إجابات شافية لهذه القضايا الأساسية.
يبدأ أميري تحديه للمنظور المادي البحت من خلال إثارة إشكالية "التساؤل عما وراء الطبيعة". فهو يرى أنه إذا كان الإنسان مجرد نتاج للمادة وقوانين الطبيعة الصماء، فمن أين له هذا الدافع الفطري للتساؤل عن وجود يتجاوز العالم المحسوس؟ يعتبر أميري أن هذا "التوق إلى المتعالي" أو "فطرة البحث عن الدين" ليس مجرد فضول عابر، بل هو دليل كامن في النفس البشرية يشير إلى وجود غاية أسمى ومصدر غير مادي. فالسعي الحثيث نحو فهم الوجود والبحث عن الحق، إذا ما اتسم بالصدق والتجرد، لا بد أن يقود، في رأيه، إلى الإقرار بوجود إله.
ينتقل أميري بعد ذلك إلى الجانب الأخلاقي، حيث يتناول مقولة أن "الإلحاد لا يُلزم بشيء" ليقلبها على قائلها. فبينما يراها البعض تحرراً، يرى فيها أميري فراغاً تأسيسياً خطيراً. فإذا كان الإلحاد كنظام فكري لا يفرض أي التزامات أخلاقية مُسبقة، فهذا يعني، وفقاً لأميري، أنه لا يمتلك أي آلية ذاتية لمنع الفرد من تبني أي أيديولوجية مهما كانت شاذة أو مدمرة، كالنازية أو غيرها من الممارسات التي يجمع العقلاء على سوئها. وهنا يكمن التحدي الذي يطرحه: كيف يمكن للملحد، من منطلق إلحاده البحت، أن يُقبّح أو يُدين أي مدرسة أخلاقية دون الاستناد إلى مرجعية خارجية عنه؟ ويقارن ذلك بموقف المتدين، الذي يجد في دينه منظومة قيمية توجيهية.
وفي معرض حديثه عن مصدر "التحسين والتقبيح" – أي القدرة على تمييز الخير من الشر والحسن من القبيح – يقدم أميري تمييزاً دقيقاً. فهو يقر بأن المبادئ الأخلاقية الأساسية يمكن للعقل البشري إدراكها، واصفاً هذا الجانب بأنه "عقلي". لكنه يشدد على أن التفصيلات الدقيقة للأحكام الأخلاقية وتطبيقاتها المعقدة تحتاج إلى هداية "شرعية" أي مستمدة من الوحي الإلهي. ويرى أميري أن العقل السليم، إذا ما احترم مقدماته المنطقية وتجرد من الهوى، فإنه بالضرورة سيقود صاحبه إلى الإيمان بوجود الله، مستشهداً بأن رواد الفكر المنطقي الأوائل، كأرسطو، كانوا مؤمنين بوجود محرك أول أو سبب أسمى للكون. فالإلحاد، من هذا المنظور، ليس إلا تحايلاً على مقتضيات العقل أو عدم احترام كامل لقدراته.
وخلاصة القول، يطرح الأستاذ علي أميري تحدياً فكرياً عميقاً للمنظور الإلحادي، مركّزاً على عجزه المزعوم عن تفسير تطلعات الإنسان الروحية والفطرية، وفراغه من أي أساس أخلاقي ذاتي مُلزم. ويُعيد مراراً وتكراراً سؤاله الجوهري: "كيف للكائن المادي البحت أن يمتلك القدرة على البحث والتساؤل عن أمور تتجاوز حدود المادة والطبيعة؟"، معتبراً هذا السؤال حجر الزاوية الذي يكشف عن قصور الرؤية الإلحادية في فهم التجربة الإنسانية بكل أبعادها.