القائمة الرئيسية

الصفحات

"ملك اليمين" في الإسلام


ملك اليمين


مفهوم "ملك اليمين" في الإسلام

يُطلق مصطلح "الرق" أو "العبودية" في الفقه الإسلامي على ما يُعرف بـ"ملك اليمين"، وهو ليس استعبادًا بالمعنى المتعارف عليه، بل هو حالة قانونية تتعلق بأسرى الحرب. لم يكن الإسلام هو من أوجد هذه الظاهرة، بل كانت موجودة في كل الحضارات القديمة، وجاء الإسلام ليضع لها قيودًا صارمة وأحكامًا إنسانية تهدف في جوهرها إلى إنهاء هذه الممارسة تدريجيًا.

القرآن الكريم والسنة النبوية لم يأمرا بالاسترقاق، بل وضعا له أحكامًا تنظيمية بعد أن كان واقعًا لا مفر منه في ذلك العصر. وأما طرق تحريرهم فقد جعلها الإسلام من أفضل القربات إلى الله، بل وكفارة لبعض الذنوب.

أحكام الأسرى ومعاملتهم في الإسلام

عندما يقع الأسرى في أيدي المسلمين بعد معركة مشروعة، فإن القائد المسلم يكون مخيّرًا بين أربعة خيارات أساسية، كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً" (سورة محمد: 4). وهذه الخيارات هي:

  1. المنّ: أي إطلاق سراحهم مجانًا دون مقابل.

  2. الفداء: أي مبادلتهم بأسرى مسلمين أو الحصول على فدية مالية مقابل تحريرهم.

  3. القتل: وهو خيار نادر ومقيّد يُلجأ إليه في حالات خاصة جدًا، مثل قادة الحرب الذين يُعرف عنهم الإيذاء الشديد للمسلمين.

  4. الاسترقاق (ملك اليمين): وهو تحويلهم إلى "ملك يمين" مؤقتًا، على أن يُعاملوا معاملة حسنة تمهيدًا لإعتاقهم.

وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى هؤلاء الأسرى والعناية بهم، فجعلهم جزءًا من العائلة التي ينتمون إليها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُ مَا يَغْلِبُهُ" (صحيح البخاري ومسلم).

الترغيب في العتق وإلغاء الاستعباد

لقد وضع الإسلام خطوات عملية لإلغاء هذه الظاهرة، وجعل "تحرير الرقاب" من أعظم القربات وأسباب تكفير الذنوب. من هذه الأسباب:

  • كفارة للذنوب: جعل الإسلام عتق الرقبة كفارة لبعض الذنوب الكبيرة، مثل كفارة القتل الخطأ، وكفارة اليمين، وكفارة الظهار.

  • باب للبر والصدقة: جعل الله جزءًا من أموال الزكاة مخصصًا لتحرير الرقاب، كما في قوله تعالى: "وَفِي الرِّقَابِ" (سورة التوبة: 60).

  • التشجيع على المكاتبة: شرع الإسلام عقد "المكاتبة"، وهو أن يتفق المملوك مع سيده على تحرير نفسه مقابل مبلغ مالي يدفعه له. وقد أمر الله أصحاب الأموال بمساعدتهم في هذا، فقال: "فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" (سورة النور: 33).

  • العتق بالخطأ: إذا ضرب السيد مملوكه، كان عقابه تحريره على الفور، كما ورد في الحديث النبوي.

«مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ»

المصدر:

  • هذا الحديث صحيحٌ ومشهور، ورواه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب "الأيمان والنذور"، تحت باب "صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده" (رقم الحديث: 1657).

  • وقد رُوي بلفظٍ مشابه في كتب أخرى مثل سنن أبي داود وصحيح الجامع للشيخ الألباني.

إن هذه الأحكام، التي جاء بها الإسلام، لم تهدف إلى إقرار نظام العبودية، بل كانت تهدف إلى تجفيف مصادره وإبطاله تدريجيًا، مما أدى إلى القضاء عليه فعليًا في التاريخ الإسلامي قبل أن تعرفه أي من الحضارات الأخرى.