القائمة الرئيسية

الصفحات

تساؤلات حول حكمة الله وضرورة الوحي

 

الحكمة في ضرورة الوحي الإلهي

                   

الحكمة في ضرورة الوحي الإلهي


يُركز علي أميري في نقاشه على أن الحكمة الإلهية المطلقة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الغاية من خلق الإنسان وحاجته إلى الهداية. فإذا كان الله حكيماً حكمة مطلقة، فإن هذه الحكمة تتجلى في الأفعال التي تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتُحقق الصلاح والخير الأكمل للخلق.

من أبرز ما يمكن استخلاصه من كلماته حول مفهوم الحكمة:

  • الحكمة ليست مجرد "إمكانية"، بل "اختيار الأفضل والأصلح": يُشير أميري إلى أن مجرد القول بأن "عدم التواصل" قد يكون حكمة، هو فهم قاصر. فالحكمة المطلقة لله لا تعني أن كل ما يمكن فعله هو حكيم، بل تعني أن الفعل الذي يختاره الله هو الأكمل والأصلح والأكثر نفعاً للخلق، وهذا هو ما يمثل الحكمة الحقيقية. بالنسبة للبشر، هذا يعني ضرورة الوحي.

  • الحكمة تتجلى في تلبية الحاجة البشرية للإرشاد: يطرح أميري فكرة أن المجتمع البشري، بطبيعته، يحتاج إلى هداية وكتاب لحل النزاعات وتحديد المعايير. غياب هذا الإرشاد الإلهي سيؤدي حتماً إلى الفوضى والظلم والنزاعات التي لا يمكن للعقل البشري وحده أن يحلها بشكل شامل وعادل. هذه الحاجة الملحة هي دليل على حكمة الخالق في توفير الوحي.

  • الحكمة هي "وضع الشيء في موضعه الصحيح": يُعرّف أميري الحكمة عملياً بأنها "وضع الشيء في مكانه الصحيح". فإذا خُلق الإنسان وترك دون منهج إلهي يهديه ويُنظّم حياته وعلاقته بربه وبمن حوله، فإن هذا التخلف عن الهداية يتعارض مع الحكمة. إن إرسال الرسل والكتب هو الذي يضع الإنسان في "مكانه الصحيح" في الوجود، ويوجهه نحو الغاية التي خُلق من أجلها.

  • الحكمة في حل النزاعات وتحديد العلاقة بالخالق: يرى أميري أن دور الرسل والوحي هو حل النزاعات بين البشر، وتحديد علاقة الإنسان بخالقه. فبدون وحي، سيظل الإنسان في حيرة من أمره حول كيفية عبادة الله، وما هي حقوقه وواجباته، وكيف يتعامل مع مجتمعه. هذا التوضيح والتنظيم يُعد تجلياً عظيماً للحكمة الإلهية.

  • التواصل الإلهي ضروري لتنظيم البشرية بالحقيقة: يختتم أميري بأن ترك البشرية دون منهج إلهي تعيش به، ودون "تنظيم" بالحقيقة المطلقة التي يوفرها الوحي، هو أمر يتعارض مع الحكمة. فالوحي يوفر القوانين الأخلاقية والتشريعية التي تضمن صلاح الفرد والمجتمع، وهو ما يُعد جوهر الحكمة.


باختصار، يرى علي أميري أن الحكمة الإلهية ليست مفهومًا سلبياً يسمح بكل الاحتمالات، بل هي مفهوم إيجابي يقتضي الخير المطلق والنفع الشامل للخلق. ومن هذا المنطلق، يصبح الوحي الإلهي ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية ومظهر من مظاهر الحكمة الإلهية المطلقة التي تُريد الصلاح والهدى للبشرية.

******************************************************


                         *************************************

السؤال الأول: إذا كان الله حكيمًا حكمة مطلقة، ألا يمكن اعتبار "عدم التواصل" مع خلقه أيضًا علامة على حكمته؟

الرد الإسلامي:

إن فهم الحكمة الإلهية في الإسلام لا يقتصر على مجرد إمكانية الشيء، بل يتعداه إلى معرفة ما هو الأكمل والأصلح والأهدى للخلق. فالحكمة المطلقة لله تعالى تقتضي أن يفعل ما هو الخير والصلاح المحض لعباده، وما يحقق لهم الغاية التي خُلقوا من أجلها.

عدم التواصل مع الخلق يتنافى مع جملة من صفات الله الحسنى الأخرى التي تُكمّل مفهوم الحكمة، مثل:

  1. الرحمة: الله رحمن رحيم، ورحمته تقتضي أن لا يترك عباده تائهين في ظلمات الجهل والصراعات، بل يهديهم إلى صراطه المستقيم. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

  2. العدل: لو ترك الله البشر دون هداية وبيان، لكانت حياتهم قائمة على الفوضى والظلم والنزاعات التي لا نهاية لها، وهو ما يتنافى مع عدله المطلق الذي يقيم به السماوات والأرض. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).

  3. الغاية من الخلق: الله لم يخلق الإنسان عبثًا أو لغرض اللعب، بل خلقه لهدف عظيم وهو عبادته وتعمير الأرض وفق منهجه. يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). فكيف يمكن للإنسان أن يحقق هذه الغاية دون معرفة كيف يعبد، وما هي حقوق ربه عليه، وما هو المنهج الذي يرضاه؟ هذا يستلزم وجود الوحي.

  4. اللُّطف والعناية بالعباد: من تمام حكمة الله ولطفه بخلقه أن لا يتركهم لمجرد عقولهم القاصرة التي تختلف وتتنازع، بل يبعث إليهم رسلاً وأنظمة تضع الأمور في نصابها الصحيح.

لذا، فالتواصل الإلهي (الوحي) ليس مجرد خيار من خيارات متعددة متساوية في الحكمة، بل هو الخيار الأكثر حكمة وضرورة بالنظر إلى طبيعة الإنسان المحدودة، وحاجته إلى الهداية، والغاية من وجوده. غياب الوحي كان سيؤدي إلى الفساد في الأرض واختلاف الناس اختلافاً لا يمكن حله.

المصادر:

  • القرآن الكريم: سورة الأنبياء: 107؛ سورة النحل: 90؛ سورة الذاريات: 56.

  • تفسير ابن كثير، تفسير الطبري (عند آيات الوحي والرسالة).

  • شرح العقيدة الطحاوية (في مباحث النبوات وحكمة الله).


السؤال الثاني: ما هو الدليل على أن التواصل الإلهي (الوحي) هو فعل حكيم وضروري للبشرية؟

الرد الإسلامي:

الدليل على حكمة وضرورة التواصل الإلهي متعدد الجوانب، ويستند إلى الفطرة، والعقل، والتاريخ، والنص الشرعي:

  1. حاجة الفطرة الإنسانية: الإنسان مفطور على التدين والبحث عن معنى لوجوده وعن خالق عظيم. هذه الفطرة تحتاج إلى توجيه صحيح حتى لا تنحرف إلى الشرك أو الإلحاد. الوحي هو الذي يلبي هذه الحاجة الفطرية بشكل سليم ومستقيم.

  2. قصور العقل البشري: العقل البشري أداة عظيمة، لكنه محدود القوة والإدراك. لا يستطيع العقل وحده الإجابة على الأسئلة الكبرى حول الوجود، الغاية، المصير بعد الموت، طبيعة الخالق، وكيفية عبادته بالشكل الذي يرضاه. كما أن العقل قد يختلف ويتنازع في القضايا الأخلاقية والتشريعية، مما يؤدي إلى الفوضى. هنا يأتي دور الوحي ليكون مرجعاً نهائياً يضع حدًا للاختلافات الجوهرية.

  3. الخلافات والصراعات البشرية: التاريخ البشري مليء بالصراعات والحروب والاختلافات حول القيم، الحقوق، والعدل. بدون مرجعية عليا ثابتة وموحدة (الوحي)، لا يمكن حل هذه النزاعات بشكل نهائي وعادل يرضي جميع الأطراف أو يرسخ السلام الحقيقي. الوحي هو الذي يضع الأسس للعدالة الاجتماعية، الأخلاق، والقوانين التي تضمن صلاح المجتمع.

  4. معرفة الغيب والآخرة: العقل لا يمكنه إدراك الغيبيات كالملائكة، الجن، الجنة، النار، الحساب، واليوم الآخر. هذه المعرفة ضرورية للإنسان ليضع حياته في منظورها الصحيح ويدرك عواقب أعماله، مما يدفعه إلى فعل الخير واجتناب الشر. الوحي هو المصدر الوحيد لهذه المعرفة.

  5. تحديد علاقة الإنسان بربه: كيف يعرف الإنسان ما يرضي خالقه وما يسخطه؟ كيف يعرف كيفية الشكر والحمد والعبادة التي تليق بعظمة الله؟ الوحي هو الذي يحدد هذه العلاقة ويضع أسسها الصحيحة، ويبيّن للإنسان حقوق الله عليه وحقوقه على غيره.

  6. غاية وضع الشيء في موضعه: الحكمة هي وضع الشيء في موضعه الصحيح. خلق الإنسان دون هداية إلهية يجعله كائناً تائهاً لا يعرف غايته ولا سبيله، وهذا يتنافى مع الحكمة. إرسال الرسل والكتب هو وضع الهداية في موضعها الصحيح، لكي يجد الإنسان طريقه ويحقق الغاية من خلقه.

لذلك، فإن إرسال الرسل وإنزال الكتب (الوحي) هو قمة الحكمة الإلهية وعين الصلاح، لأنه يلبي أعظم حاجات الإنسان ويحقق له الخير في الدنيا والآخرة، ويُسهم في إقامة العدل والصلاح في الأرض.

المصادر:

  • القرآن الكريم: سورة البقرة: 213 (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾)؛ سورة العنكبوت: 45 (﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾).

  • السنة النبوية: أحاديث كثيرة تؤكد على حاجة الناس إلى الوحي والهداية النبوية.

  • كتب العقيدة الإسلامية: مثل "كتاب التوحيد" للإمام محمد بن عبد الوهاب، "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الحنفي، "الرسالة التدمرية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (في مباحث الحكمة الإلهية).

  • كتب أصول الفقه: التي تتناول مصادر التشريع وأهمية الوحي كمصدر أساسي.


السؤال الثالث: كيف يمكن الرد على من يدعي أن الإنسان يمكنه بعقله فقط أن يكتشف كل ما يحتاج إليه دون وحي؟

الرد الإسلامي:

القول بأن الإنسان يستطيع بعقله وحده اكتشاف كل ما يحتاج إليه دون وحي هو دعوى مردودة من عدة وجوه:

  1. الاختلافات العقلية والتنازع: لو كان العقل وحده كافيًا، لما رأينا كل هذا الاختلاف والتنازع بين الفلاسفة والمفكرين عبر العصور حول القضايا الأساسية كوجود الخالق، طبيعة الخير والشر المطلقين، معنى الحياة، والعدالة. كل جماعة وقومية تضع قوانينها ومبادئها الأخلاقية التي قد تتصادم مع الأخرى، وهذا يؤدي إلى الفوضى والظلم، كما شهد التاريخ البشري. الوحي يأتي ليوحد هذه الرؤى ويضع معايير ثابتة لا تتبدل.

  2. الجهل بالغيبيات: العقل البشري محدود الإدراك، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال إدراك عالم الغيب: الملائكة، الجن، تفاصيل الجنة والنار، حقيقة الروح، كيفية الحساب في الآخرة، وعلم الساعة. هذه المعلومات أساسية لتشكيل رؤية الإنسان الكونية ودافعه للعمل الصالح، ولا يمكن الحصول عليها إلا عن طريق الوحي الإلهي.

  3. العجز عن إدراك كمال العبادة: حتى لو أدرك العقل بوجود خالق، فإنه يعجز عن معرفة الكيفية التي يرضاها الخالق لعبادته. هل هي بالصلاة؟ بالصيام؟ بأداء شعائر معينة؟ وكيف تكون هذه الشعائر؟ الوحي هو الذي يحدد هذه التفاصيل العبادية بما يتناسب مع عظمة الخالق ومصلحة المخلوق.

  4. تأثر العقل بالشهوات والأهواء: العقل البشري ليس دائمًا مجردًا، بل يتأثر بالبيئة، التربية، المصالح الشخصية، والشهوات والأهواء. هذا التأثر قد يجعله يبرر الشر ويسمي القبيح حسناً. الوحي يأتي كمرشد خارجي نزيه لا يتأثر بهذه العوامل، ليضع المعايير الأخلاقية المطلقة والثابتة.

  5. التجارب التاريخية: لم تنجح أي حضارة قامت على العقل وحده في تحقيق العدل المطلق أو السلام الدائم أو السعادة الشاملة للإنسان. بل إن المجتمعات التي ابتعدت عن الهداية الإلهية انتهت إلى الإفلاس الروحي والأخلاقي، رغم تقدمها المادي أحيانًا.

إذن، العقل ليس عدوًا للوحي، بل هو أداة لفهم الوحي والتدبر فيه. الوحي يكمل العقل ويصححه ويوجهه، ويقدم له معلومات لا يمكن للعقل أن يصل إليها بمفرده، مما يؤدي إلى حياة متكاملة وسعيدة.

المصادر:

  • القرآن الكريم: سورة طه: 124 (﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾)؛ سورة القصص: 50 (﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾).

  • كتب العقيدة والفلسفة الإسلامية: مثل "تهافت الفلاسفة" للغزالي، وكتب ابن تيمية وابن القيم التي تناولت العلاقة بين العقل والنقل.

  • أبحاث ودراسات حول الحاجة إلى الوحي في الفكر الإسلامي المعاصر.